عبد الفتاح اسماعيل شلبي

196

من أعيان الشيعة أبو علي الفارسي

عند خوف الزيغ ، والذهاب عن الهدى ، وما يستحق به الوعيد ، فتوجل القلوب لذلك فكل واحدة من الحالين غير صاحبتها ، فليس هنا إذا تضاد ولا تدافع ، وهذان المعنيان المفترقان في هاتين الآيتين قد اجتمعا في آية واحدة ؛ وهي قوله : « تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللَّهِ ذلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشاءُ » ؛ لأن هؤلاء قد سكنت نفوسهم إلى معتقدهم ، ووثقوا به فانتفى عنهم الشك والارتياب الذي يعرض لمن كان خلافهم ممن أظهر الإسلام تعودا فحصل له حكمه دون العلم الموجب لثلج الصدور ، وانتفاء الريب والشك « 1 » وأراه بهذا التدليل النقلي ، والمنطقي يصدر عن نزعة الدفاع عن كتاب اللّه ، ودفع ما يلقى به الكائدون من شبهة التدافع والتضاد ، وهي النزعة التي انتهيت إلى أنه صدر عنها في كتابه الحجة ، وكانت سببا دفعته إلى تأليفه . وأقرأ حديثه كذلك في تفسيره « يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ » - بيوم التلاقى ، ودفعه ما يوهم التضاد بين المعنى الذي ذكره في هذه الآية وقوله تعالى : « يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ » « 2 » هذه أمثلة لبيان هذه الطريقة التي سلكها أبو علي في تفسير القرآن بالقرآن ومظاهرها المختلفة ومما يتصل بها : ( 2 ) تفسير القرآن بقراءة أخرى : وقد كان ابن عباس يفسر القرآن ويستدل بقراءة على قراءة ، قال في قوله تعالى : « ننشرها ثم نكسوها لحما » « 3 » : إنشارها إحياؤها ، واحتج بقوله تعالى : « ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ » وقد سلك أبو علي هذه السبيل حيث يقول : مثلا - فأما قوله : « هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ » فهو في المعنى كقوله : « ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصاها » ، وقوله : « وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْناهُ كِتاباً » أي كل شئ من أعمالهم كما قال : « وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ ، وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ » وقال : « أَحْصاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ » وقال : « وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ مَنْشُوراً » وقال : ( وهنا موضع الشاهد )

--> ( 1 ) المصدر السابق : 1 / 152 . ( 2 ) الحجة : 2 / 25 وما بعدها ن البلدية 1 / 320 نسخة مراد ملا . ( 3 ) معاني القرآن للفراء : 137 .